الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

111

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حين تتعلق مشيئته بإنشاره . و أَنْشَرَهُ بعثه من الأرض وأصل النشر إخراج الشيء المخبأ يقال : نشر الثوب ، إذ أزال طيّه ، ونشر الصحيفة ، إذا فتحها ليقرأها . ومنه الحديث : « فنشروا التوراة » . وأما الإنشار بالهمز فهو خاص بإخراج الميت من الأرض حيّا وهو البعث ، فيجوز أن يقال : نشر الميت ، والعرب لم يكونوا يعتقدون إحياء الأموات إلا أن يكونوا قد قالوه في تخيلاتهم التوهمية . فيكون منه قول الأعشى : حتى يقول الناس ممّا رأوا * يا عجبا للميّت النّاشر ولذلك قال اللّه تعالى : وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [ هود : 7 ] . وفي قوله : إِذا شاءَ ردّ لشبهتهم إذ كانوا يطلبون تعجيل البعث تحديا وتهكما ليجعلوا عدم الاستجابة بتعجيله دليلا على أنه لا يكون ، فأعلمهم اللّه أنه يقع عندما يشاء اللّه وقوعه لا في الوقت الذي يسألونه لأنه موكول إلى حكمة اللّه ، واستفادة إبطال قولهم من طريق الكناية . [ 23 ] [ سورة عبس ( 80 ) : آية 23 ] كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 ) تفسير هذه الآية معضل وكلمات المفسرين والمتأولين فيها بعضها جافّ المنال ، وبعضها جاف عن الاستعمال . ذلك أن المعروف في كَلَّا أنه حرف ردع وزجر عن كلام سابق أو لاحق ، وليس فيما تضمنه ما سبقها ولا فيما بعدها ما ظاهره أن يزجر عنه ولا أن يبطل ، فتعين المصير إلى تأويل مورد كَلَّا فأما الذين التزموا أن يكون حرف كَلَّا للردع والزجر وهم الخليل وسيبويه وجمهور نحاة البصرة ويجيزون الوقف عليها كما يجيزون الابتداء بها ، فقد تأولوا هذه الآية وما أشبهها بتوجيه الإنكار إلى ما يومئ إليه الكلام السابق أو اللاحق دون صريحه ولا مضمونه . فمنهم من يجعل الردع متوجها إلى ما قبل كَلَّا ممّا يومئ إليه قوله تعالى : ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [ عبس : 22 ] ، أي إذا شاء اللّه ، إذ يومئ إلى أن الكافر ينكر أن ينشره اللّه ويعتلّ بأنه لم ينشر أحدا منذ القدم إلى الآن . وهذا الوجه هو الجاري على قول البصريين